منال الشربيني تحلل: قراءة وجودية في قصيدة (ماريونيت) لمحي حافظ

 

منال الشربيني تحلل:

قراءة  وجودية في قصيدة (ماريونيت) لمحي الدين محمود حافظ




كالعادة، يأخذنا محي حافظ إلى عالم من الرمزية العميقة، وقد اتخذ عنوانَ النص " ماريونيت"، الذي أراه شعريًا، تغوص دلالته في تساؤل وجودي:" الإنسان، هذا الروح الذي يتشكَّل وجودًا وغيابًا، سويًا ومشوشًا، تجتمع فيه كل التقلبات النفسية، والروحية، والعقلية، هل هو مخيَّر أم مُجبر؟!. إن دلالة العنوان " ماريونيت" توحي أن الكاتب حسم الأمر وآمن أنه مُجبر؛ دُميَةً لا أكثر، مشدودة في كل جزء إلى محرك الدُّمَى، ولا حيلة له في إرادة حرة، لو ترك خيوطها، أو مزقها، لا تحرك ساكنًا، لا تملك قرارًا لعاطفة، لغريزة، وتتحكم فيها يد القدر. والماريونت هي المعادل الموضوعي للإنسان الخاضع لقوى عليا ما؛ عادات، تقاليد، سلطة، مجتمع... هنا يتقاطع الرمز مع تصور كارل يونغ عن "الظل" أو القوى اللاواعية التي تتحكم بالوعي الإنساني (Jung, 1959). الماريونت لا يعي ذاته إلا حين يبدأ بفكّ الخيوط: "هو صراع جهاد ضد أنفسنا المربوطة."


لكنه يقول:


لدرجة أن  المتفرج ظن أنكم أحرار


أحرار....يا  للعجب


وبينما تغوص الماريونيت في القيد، يمكننا تخيل مونولوجًا داخليًا يوسوس لها:" ماذا لو مزقت تلك القيود جميعها، هل أصبح حرة؟" ولكن ماذا تعني كلمة "حر"هنا، هبل يمكن أن نعتبرها مجموع العقل، الجسد، الروح؟

 ولكن، ترى! من هو هذا المشاهد الخفي؟، هل هو الله؟، الضمير؟ أم الشيطان؟

يقول محي حافظ:


ذلك المتفرج الخفي الذي يرانا من حيث لا نراه،”

قد يكون هذا المتفرج  الله في بعده الرقابي الرحيم ( الصوفي) الشيطان في بعده الإغوائي (الديني)، أو اللاوعي كما عند يونغ.

يقول محي حافظ:


في التسليم

له وحده

 .فقط

دبر واترك الأمر لصانع الحياة


ترى القصيدة أن الوعي هو أول درجات التحرر، وأن "التسليم بالقدر" هو الطريق إلى "قطع حبل الماريونت"، مما يُحيل إلى مفهوم "الفناء" الصوفي في ذات الله، وهو ذروة التحرر الروحي.


 هكذا يأخذنا محي حافظ إلى عالم الصراع النفسي بين الواقع والحلم، مستلهماً خطابًا شبه درامي يربط القارئ بعالم متخيل هو مسرح العرائس، بما يحمله من رمزية قوية حول الإرادة الإنسانية، واللاوعي، والتحكم، والخلاص.

وهذا يلامس التصور الوجودي للإنسان المكبل  بخيوط غير مرئية تحد من حريته وتدفعه لطرح سؤال المعنى والاختيار.

ويقول:

"لدرجة أن المتفرج ظن أنكم أحرار… أحرار! يا للعجب"

هنا، يقوم النص بفك تشريح النفس الإنسانية عبر خيوطه، حيث كل خيط يعيد تشكيل إدراكنا وسلوكنا، فيكون التحرر الحقيقي مرهونًا بالوعي بها جميعًا. هنا نجد أثر نظرية فرويد حول الهو (Id) والأنا (Ego) والأنا الأعلى (Superego).


في المجمل، هذا النص مشهد كبير كونته مقاطع مشهدية قصيرة بدايتها الماريونيت دون الخيوط، ثم التحكم في إرادتها، وهي معادل موضوعي للإنسان في  المشهد الكوني حيث تتحول الحياة إلى مسرح ظلّ. الإنسان دمية في "عرض الحياة"، يحاول البحث عن الخلاص عبر "قطع الخيط"، وهو لحظة التنوير الروحي أو الموت الرمزي، يمثل الخيط الأثر الرمزي للقيود النفسية.، ويمثل "التحرر" حالة إدراك الذات العليا (Self)، وترمز دلالة المراقبة والصمت" إلى أدوات الوعي.

وجب أن نسجل أن القصيدة تتماهى مع التصوف من حيث الدعوة إلى التسليم المطلق للقدر، وعي النفس كطريق للخلاص. والتحرر من التعلقات الدنيوية.

ويأتي التناص مع القرآن الكريم

"ونحن أقرب إليه من حبل الوريد" (سورة ق، 16):واضحًا في النص مباشرة ، يقول حافظ::

 "وإعلم أن هناك من هو أقرب إليك من

"الذي يوسوس في صدور الناس" (سورة الناس): يتجلى في صوت "المتفرج الخفي" الذي "يتلاعب بالعواطف" وفي تناص مع ابن عربي؛ كتابه الفتوحات المكية، يتحدث ابن عربي عن الإنسان كمرآة للوجود، مقيد بالظاهر، متحرر بالباطن، 

ويقول::

 "الإنسان الكامل هو الذي أدرك نفسه في كل حالاته، وتحرر من كل ما سوى الله."وهو جوهر رسالة النص هنا.

  “في تناص مع صامويل بيكيت "في انتظار غودو

تأخذنا ماريونيت محي إلى حيث عبثية الانتظار، الشعور بالتحكم من قوى مجهولة، والبحث عن معنى وسط الركود بشكل بالغ الوضوح.، كما يتناص مع دانتي  "الكوميديا الإلهية" حيث رحلة الإنسان من الغفلة إلى الإدراك، ومن الجحيم إلى الخلاص الروحي، عبر المعاناة والوعي.

وفق كل ما تقدم، نخلص إلى أن نص "ماريونت - صندوق الدنيا" هو عمل يحمل رؤية عميقة؛ يخاطب الوعي الإنساني. يستخدم الرمزية الشعرية والفلسفية لكشف وهم الحرية الذي نحياه، ويقترح طريقًا للخلاص قائمًا على الوعي والتسليم. ولقد منح التوظيف العميق للصور الذهنية، و استدعاء الموروث الديني والصوفي،  النص قوة رمزية شديدة التأثير.

...


المصادر


Beckett, S. (1954). Waiting for Godot. Grove Press.


Dante Alighieri. (2003). The Divine Comedy: Inferno (A. Mandelbaum, Trans.). Bantam Classics.


Freud, S. (1961). The Ego and the Id (J. Strachey, Ed. & Trans.). W.W. Norton & Company.


Jung, C. G. (1959). Aion: Researches into the Phenomenology of the Self (R.F.C. Hull, Trans.). Princeton University Press.


ابن عربي. (2001). الفتوحات المكية (تحقيق عثمان يحيى). بيروت: دار صادر.


عبد الصبور، صلاح. (1964). مأساة الحلاج. القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب.


درويش، محمود. (2002). حالة حصار. بيروت: رياض الريس للكتب والنشر.


...


إليكم نص " ماريونيت.."  محي حافظ


ماريونت


صندوق الدنيا 

     


لا تهرب ..أراك مختبئ بين شتات آلامك


 كالعرائس الماريونيت


 مربوطين في حبال طويله


 لدرجة أن  المتفرج ظن أنكم أحرار


أحرار....يا  للعجب


مهلا أعزائي...


الأ ترون حبل مسرح العرائس...عجبا


هناك حبل غريزتنا  ربطته فينا العواطف


 وذاك حبل خبرتنا  ربطته فينا المواقف


 و حبل كيمياء أجسامنا وهي طبيعة الجسد 


 التي أفرزتها فينا أعضاءنا 


مهلا


انتظر ماريونت 


لا تشيح بوجهك...انا أراك


توترك  وانفعالك  


لانك لا تقدر فك الخيط الرفيع


اراك و أحاول مساعدتك

 

هو صراع جهاد ضد أنفسنا المربوطة


علي مسرح الحياة بخيط عجيب


والأصعب هو ذلك  المتفرج الخفي


  الذي يرانا من حيث لا نراة


 وسيلة اتصاله هو الصوت


 الأفكار والتلاعب بالعواطف 


 و المشاعر و التأثير  عليها 


فحذار من  تلك الافكار المفاجأة


التي يضعها عقلك


وعليك إدراك ماذا تفعل؟


وكيف تفعل عندما يحدث هذا ؟


وإدراك  كيف يجب أن تتصرف بوعي تام


وكيف أن لا تخضع لمشاعرك وعواطفك


بتسرع لمجرد خضوعك لصدمة


أو حدث طارئ 


اتري هناك...نعم هناك..


سبيل النجاة


منجيك 


 وعيك و التسليم بالقدر


إنسي عقلك المثقل بما لا يحتمل


وإعلم أن هناك من هو أقرب


اليك من حبل الوريد


أعلم انك لازلت علي مسرح العرائس


تلعب دور البطولة


ماريونت


يحركك احدهما من اعلي


أعلم انكم تريد الخلاص


لا تنظروا الي حبال الماريونيت


أنظروا  الي حبال غريزتكم


في اتجاه حركتها 


أنظر الي خططها  الخفية


التي زرعها الشيطان بسهولة


 فقط الوعي و الصمت و المراقبة


و أدرك جيدا


أنك لو وعيت الوجود في مسرح العرائس


فستدرك كم تشابكت حباله لتقيدك


علي مسرح الحياة


واعلم


ان خلاصك في التسليم


له وحدة


 .فقط


دبر واترك الأمر لصانع الحياة 


..وقتها


سيقطع حبل الماريونيت


وستفهم معني صندوق الدنيا

ماريونيت


 بقلم

                             

      محي الدين محمود حافظ


Newyork times Arabia 

ليست هناك تعليقات