رواية تلات ورقات د منال الشربيني مصر 🇪🇬
رواية تلات ورقات
د منال الشربيني مصر 🇪🇬
الفصل ٣٧
كان علينا، أن نعود أنا ومراد وكل أولاد القرية، كل أيلول، إلى المدرسة، فنحمل حقائبنا ونسير على الطريق الضيقة المحاذية للترعة فنرى انعكاس أجسامنا على وجه المياه. كنا نسير في طابور بين طرق طينية ملتوية كما لو كنا نازحين فروا من القصف، يرعدنا البرد، وتزكم أنوفنا رائحة سباخ الأرض، وترقبنا السواقي بعيونها التي يثقبها الماء طوال الوقت، وتحلق فوق رؤوسنا الطيور المهاجرة. نلمح أبو قردان فنتذكر كيف رسموا لنا صورته بجوار الفلاح في كتاب القراءة. ونتفاخر فيما بيننا لأن الحكومة صورت جارنا أبو محمود بينما يعزق الأرض، ويهيؤها لزراعة الأرز. ونمر بسعاد وهي تهش الجاموس أمامها إلى الحقل ثم نراها تربطهم إلى جذع الشجرة فنقول لبعضنا هذه هي سعاد التي تزوجت عادل في كتاب القراءة، ونتساءل لماذا يقولون إنها متزوجة بينما تقول النسوة إنها رفضت الزواج كي تربي أبناء أخيها الذي استشهد في حرب اليمن، كنا نسألها أين عادل بصوت مرتفع:"أين عادل يا سعاااد؟" وننهار في الضحك فتقذفنا بعيدان القش وتقول: "الكتاب بتاعكم بيكذب، واللي بيكذب حيروح النار"، كانت كلمة النار ترعبنا وتوقفنا عن أي تجاوز دون ان ندري عن مكانها شيئُا، وكثيرًا ما سألني مراد عن تلك النار التي يحدثوننا عنها طول الوقت، ويقول لي: لقد تعمدت أن أقف امام الفرن مباشرة، ثم كذبتُ على أمي فقلت لها أنني أكره معلم الرسم رغم حبي الشديد له، ولم تحرقني النار، هل تعتقدين أن النار تأتي إلينا لتحرقنا؟ أم أننا نحن من نذهب إليها؟ فلم أجبه فقد كان يكتفي دومًا بطرح الأسئة.
كان حقل أبو طارق مغمورًا بنُوَّار القطن. وكان أخي مراد يجيد صيد العصافير، وهكذا تعلمت منه كيف أصنع لها الفخاخ؛ كنا نأتي بالمُخِّيط وهو مادة صمغية كثيفة تلتصق فيها أقدام العصافير، ونمضي بين الأشجار فنضع بعضا من المُخِّيط على فروع الأشجار، ثم نتوارى حتى لاترانا الطيور، وننتظر. وكلما حط عصفور التصقت قدماه بالمخيط وفقد القدرة على الفكاك. كنا ننتظر حتى يصبح عدد الطيور الملتصقة مناسبًا حتى يسمح لأيدينا بأن تحمله ثم نذهب لجمعها مع زملائنا. وعلمني أخي كيف أمسك العصفور من رجليه. كنت قوية بما يكفي لأن أحمل سبعة عصافير معًا بالإضافة إلى حقيبتي، ثم نتخذ طريق العودة. وما إن نقترب من الدار، نرى النساء اللواتي يعملن لدى أمي يحملن الخبز فوق رؤوسهن، وتفوح رائحة البطاطا المشوية، صواني البطاطس باللحم وأطباق الأرز المعمر الفخارية. كنا نتعمد أن ندخل دارنا من الناحية التي تواجه غرفة الفرن، ونمشي بين الدجاج والبط والأوز. وكنت أرى الهدهد دومًا لا يبرح مكانه على شجرة الجميز، أو ربما كان ينتقل ببطء شديد وأقول لجدتي بعد أن نفرغ في حجرها العصافير التي اصطدناها:" لماذا لايطير هذا الهدهد؟ يبدو كما لو كان مشلولًا. فتجيبني كأنها حكيم الزمان: " يبدو أنه فقد بصره أو إحدى قدميه" لكنني كنت أشعر أنه يفهم ما نقول فقد كان ينظر نحونا طوال الوقت.
كنا ننزع الحقائب عن كتوفنا، ولا تتركنا جدتي إلا بعد أن نأكل الخبز المحشو بالسمن الفلاحي والسكر كي يمنحنا بعض القوة إلى أن يحين موعد الغداء. كان ليل الشتاء في قريتنا يبدأ بعد أن يأتي جدي من المسجد بعد صلاة العشاء، ولما دخلنا الدار يومها، وجدنا أمي والنسوة يعملن على ترتيب قاعة الضيوف لاسقبال أهل زوج أختنا الكبرى. كنا لا نهتم وقتها لأحايث الكبار، ولكني لا أنسى حوارًا دار بين أبي وأمي يوم زفاف شقيقتنا الكبرى، حيث قال أبي:
- أنا مشفتش أطيب من أهل بلدنا دول والله. بس فيه شوية ناس كده مش حابة لنا الفرح.
- خد بالك أكتر ناس بتكرهك هي اللي بتضحك لك طول الوقت...مش كل اللي يضحك في وشك بيحبك.
- ليه بس؟ ده انا عامل لهم حاجات كتير والله، من يوم ما مسكت العمودية؛ رخصت لهم السماد، ورصفتلهم الشوارع، وزودت لهم ضخ الميةالعمومية للبلد، وصلحت لهم محول الكهربا الرئيسي، وعملت صندوق زكاة في الجامع واللي عاوز حاجة بيروح ياخدها من الشيخ عثمان. حاعمل ايه اكتر من كده؟ ده انا لسه واخد العمودية من ست شهور بس. بس معاكي حق فيه شوية ناس كده عايزة الحرق مش بتحمد ربنا.
- انت متعرفش طبيعتهم هنا. انت لسه مفكرهم زي زمان. الناس اتغيرت .انا اللي عايشة بينهم وعارفاهم، انت مشفتش عملوا ايه في أبويا الحاج رفاعي لما كان في مجلس النواب؟، دول كانوا شوية ويعلقوه على الشجرة لما اقترح عليهم ان اللي حيخلف أكتر من عيلين حيدفعه غرامة، رغم انه كان فاتح بيوت كتيرة هنا.
- ربنا يستر.
- خلي بالك انا نبهتك كتير...لو شلت ايدك من بقهم محدش حيرحمك...الناس هنا من نوعية " وإذا خاصم فجر".. يعني اللي بيسقفوا لك النهاردة حيسلموك تسليم أهالي ويبيعوك في لحظة بكرة، انت متعرفهمش زي ما أنا عارفاهم. انت اللي مش واخد بالك عشان قلبك طيب بس. ,متفكرش كمان انهم فرحانين من قلبهم.
- ياشيخة قولي كلام غير ده، الفرح زي الفل والناس بترقص ومزقططين والكل جاي يجامل.
- طيب ما تعمل لهم اختبار كده وقول ان الفرح خلص ومفيش "جاتوه"، أو طفي عليهم النور وهم في عز الرقص، صدقني حتتفرج على مواهب متعددة...و كله كوم وفقرة "الحاوي" كوم.
- لالالا.. دول ناس طيبين وولاد أصول.
أنا فاكرة كويس قوي إنه لما جرب اللي قالت له عليه ...ولعوا له في "الكوشة" ولما رجع ابويا على الدار قالت له:
- مش قلت لك؟!!! كان لازم تشوف بعينك يعني؟
لا أدري لماذا يلح هذا الحوار علي طوال الوقت، ولماذا لا يختفي من مخيلتي مشهد" الكوشة" وقد التهمتها النيران. ترى! هل وخزتها النيران في قلبها فشعرت بما أشعر به دومًا كلما تذكرت دار أبي؟
لم يخرجها من شلال الذكرى غير صوت ساندرا يقول:
- هل أنت بخير يا جدتي؟
- نعم. لا تقلقي.
- هل زارتك الكوابيس مرة أخرى؟
- لا، بل كنت في زيارة لدار أبي.
- دار أبيك؟ هل تشتاقين إلى أبيكِ مثلي؟
- أنا لا أنسى أبي. رغم كل شيء.الآباء كالوشم، لا يمكن نسيانهم إلا إن أحرقونا أحياء، النار فقط هي التي تزيل الوشم.
وقطع حوارهما صوت المؤذن يقيم الصلاة: قد قامت الصلاة.. قد قامت الصلاة..
يُتْبَع...

التعليقات على الموضوع