رواية تيتوس د منال الشربيني مصر 🇪🇬
رواية تيتوس د منال الشربيني
الفضل ١٦
تركنا دارَ أبو محمود، واتجهنا شرقًا حتى وصلنا مزرعة سليم صديق تيتوس، بدت مزارع الأسماك التي يتملكها أهل مراد كما لو كانت قد استولت على حد البراح أيضًا، كان يفصل المزراع عن بعضها البعض مدقات ترابية هكذا كان يطلق عليها العمال الذين جاءوا يحملون جوالات الطعام للسمك، كنت أرقُبُهم جيدًا، لم أر مساحات خضراء كالتي اعتدت رؤيتها في أبيس، فقد احتلت مزارع السمك مساحات زراعية هائلة، هذا ما تفصح عنه روعة التربة تحت أقدامنا وثرائها.
حين جلسنا إلى مائدة الغداء في شرفة دراهم الوسيعة التي تتوسط المزارع السمكية، وتطل ساحتها الأمامية على ساحة المسجد، قال سليم إنه يود لو وجد حلا يُمَكِّنْهُ من ترخيص تلك المزارع، ولكنه لم يخبرنا أن مزارعهم تستوطن الأراضي الزراعية بل وجزءًا كبيرًا من البحيرة، بعد أن جَفَّفُوها، وكعادته لم يَرُد تيتوس على تساؤلات سليم واستفساراته إلا بهزة خفيفة من رأسه، لم أفهم معناها.
مرت لحظات صمت، قبل أن يحدثنا سليم عن قريته، لم أكن أنصت إلى كلامه، أو الحوار الدائر بين زوجي وسليم، فقد كانت لي ملاحظات على المكان، شغلتني زوجته بحديث آخر.
نحن لسنا في قرية ما، نحن في بيت أهل سليم الذي بنوه خصيصًا ليكونوا على مقربة من مزارعهم، هكذا يفعل كل أصحاب المزارع هنا، وكل المارين من هنا ليسوا إلا عمالا يقومون على شؤون السمك، لكنني فهمت أيضًا من خلال حديثهما أن بعض المزراع لا أحد يعرف أصحابها، ولا يبين فيها غير مجموع العمال، أما التي تقل مساحتها عن عشرة فدادين فإن أصحابها يشيدون دورًا بها ويمارسون طقوسهم في تحويل الأرض الزراعية إلى مزارع سمكية.
ثم فجأة سمعت صوت تيتوس:
بكام الأرض هنا؟
- الأسعار تختلف حسب جودة الأرض وملوحتها، أنا أخذت الأرض على حالها، فاشتريت كباس لرفع المياه من تحت الأرض لتغذية المزارع السمكية بالمياه الجديدة، وعملت شبكة صرف للتخلص من المياه الراكدة بها منذ أيام في البحيرة، حيث تجري تلك العملية بشكل شبه يومي، الاهتمام بالمزارع عملية مضنية يا صديقي، الأعلاف غالية الثمن، ناهيك عن أجور العمال، والهالك من الأسماك، الأمر ليس سهلا.
- وماذا عن اختفاء المساحات الخضراء هنا، كل المكان هنا مزارع سمكية، وأكوام من الطين تعيق طريق الوصول إلى قريتكم، لولا لطف الله لما خرجت السيارة من الوحل.
- معك حق، يقول الناس هنا، إن بعض الأراضى تم تمليكها لبعض "الكبارات قوي"، وهم حولوها لمزارع سمكية، وطبعا الكبير فيه أكبر منه، وبين تسهيلات من هنا على إكراميات من هناك، تم حصولهم على تأشيرات بالموافقة على تحويل الأراضى الزراعية إلى مزارع سمكية بحُجَّة أن الأرض مالحة ولا تصلح للزراعة، لذا يجب تحويلها لبضع سنين إلى مزارع سمكية ثم إعادتها إلى سيرتها الأولى كنوع من الاستصلاح الزراعي، لكن لا شيء من ذلك يحدث، ويبقى الوضع كما هو عليه، وطبعا الكبير كبير ما حدش يقدر يكسَّر له كلمة، والنفوذ يكسب.
قال سليم ذلك وهو يغمز بإحدى عينيه، ويقول:
- طبعا إنت فاهم وأنا فاهم يا صاحبي، مش عاوز أفسَّر أكتر من كده، الحيطان لها ودان.
فاهم طبعا.
- بالإضافة لارتفاع تكاليف الزراعة بشكل مبالغ فيه، وانخفاض إنتاجية الفدان، فالمزارع وجد نفسه خسران في الزراعة، فحوِّل الأرض لمزارع سمكية، أوفر له في الجهد، و المال، والربح، لم يقتصر الأمر على ذلك، أقصد ليس الأمر تحويل الأرض الزراعية لمزرعة سمكية، ولكن الأراضى المقتطعة من البحيرة هي الإجراء الأسوأ، ولا أحد يستطيع أن يوقف هذا، ده كلام كبار يا عزيزي، وطبعًا المحاكم فيها قضايا مرفوعة على أصحاب المزارع السمكية غير الُمرخَّصَة، لكن طبعًا زي ما انت عارف "معاك قرش تساوى قرش" الموضوع كبير، يعني محضر مقابل محضر، والكبير مش زي الصغير، طبعا الكلام ده أنا باقوله بيني وبينك، يعني لو سألت أى مسئول هنا، كالعادة، حَينفي كل ده، وكل واحد حيِرمي المسئولية على التاني، ولو شمُّوا خبر إني شايف الخراب بنفسي، مش حيسيبوني، ومش بعيد بيتي يتخرب، أو تتدبر لي حادثة على الطريق، يعني تخرج لي تريلا جاية عكس فجأة وتقلبني بعربيتي في المية، الأمر مش سهل يا تيتوس.
- وهو ده اللي ضيع على البلد مساحات كبيرة كان من الممكن استغلالها في إنتاج كميات كبيرة من الغذاء للاستهلاك المحلي بدلا من الاستيراد، لكن كله كوم وتجفيف أجزاء من البحيرة وتحويلها لمزارع سمكية كوم، لكن قانون الري والصرف المعمول به حاليا يشتمل على عقوبات قُدِّرَت منذ أكثر من ربع قرن مما يجعلها غير رادعة, وأدى ذلك إلي ارتكاب الكثير من المخالفات الجسيمة التي باتت تهدد موارد المياه المستخدمة في الري, فضلا عن تهديد شبكات الري والصرف.
- حتى لو أضافوا عليه مادة (٨٢ مكرر) والتي بموجبها يجوز لوزير الموارد المائية والري الترخيص باستخدام مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية لتغذِيِّة المزارع السمكية والشروط المنظمة لذلك, والمقابل الذي يتم تحصيله لاعادة تأهيل شبكات الصرف العامة ومحطات الطلمبات عليها للترخيص لهذه المزارع، ستظل المحصلة واحدة "الكبير كبير.. على رأيك".
كانت زوجة سليم تحدثني عن كمية الذهب التي اشتراها لها سليم بعد بيع أول زرعة من المسمكة الشرقية التي اشتراها حديثًا، كنت أستمع إليها بنصف أذن، فقد كان أمر التعدي على البحيرة وتقديم الرشاوي، وقلوب سوداء تجيد التآمر على كل شيء قد أوقدت في قلبي ألمًا أطاح بكل ما مررنا به اليوم، وفي الواقع، لم أرْ غير الطيور والأشجار والمياه يحملون الضمير النقي إلى العالم، بل إنني أيقنت أن البراح هو صاحب الفضل الأول على الأرض، لم أكن ممن يعشقن اقتناء الحُلِيّ، كان تيتوس هو كل ما أرغب في وجوده معي إلى الأبد، وأبنائي بالطبع، لكنني أوحيت لها أنني مهتمة بجمال الأساور والسلاسل والخواتم التي كانت ترتديها في كل جسدها تقريبًا، فطلبت منها كوب شاي بالنعناع كي تكتمل سعادتي بالحوار معها، بينما كان تيتوس ينظر إلى عيني صديق عمره غير مصدق، ولسان حاله يقول: "كيف يمكن للمرء أن يتغير إلى هذا الحد، لم يعد يهمه أنَّ كل موارد رزقه تعدٍ على القانون، وتهرُّب من الضرائب، والرشوة هنا وهناك".
لابد أن ظنه خاب في صديق عمره، فقد رأيته يشيح بوجهه عنه نحو البطات التي تسبح في الترعة، وأحسست أنه تحول إلى بطة، تتمنى أن تطير، وتفرُّ من المكان.
يٌتْبَع...



.jpg)

التعليقات على الموضوع