الانسان مركب معقد (٣) النفس مع السيد فريج مصر
الانسان مركب معقد (٣) النفس
تحدثنا في المقالتين السابقتين عن عملية تفكيك الانسان الى مكوناته المتداخلة والمرتبطة ببعضها ارتباط لزوم لا يقبل التجرئة او التبعيض والتي ان فقد احداها فقد انسانيته خاصة او حياته على العموم وقد تعرضنا لهيكل الانسان او "البودي" وقلنا ان هذا الهيكل ان كان مكون مادي بلا حياة كان "جسدا" وان لازمته الحياة كان "جسما" هذا الجسم هو الكائن البيلوجي المسمى "بشرا" والذي انعم الله عليه بنفخة "الروح" فتحول الى انسان وتعرضنا للروح وعرفناها بأنها المعرفة والتشريع وليست سر الحياة وانها وجود ذاتي غير مادي يشكل مادة "العقل" وهو عملية معرفية قوامها التفكير والتقييد وبالتالي فالروح والعقل لا تموت ولا تزهق انما تتوقف حين هلاك الجسم او تلف "القلب" الذي هو الاداة المادية البيلوجية الكائنة بالصدر واوضحنا انه وفقا لعربية القرآن ان القلب ليس تلك العضلة او المضخة ضمن الجهاز الدموي وانما هو تعبير عن المخ واوضحنا ان مكانه الصدر وهو مقدمة الانسان او رأسه، وقد استدللنا على كل ذلك بآيات قرآنية من كتاب الله باعتباره "كتالوج" الصانع، تبارك الله احسن الخالقين..
هذه مقدمة لابد منها لنصل الى المكون المهيمن القائد المسؤول عن هذا المركب العجيب الا وهو "النفس"..
النفس هي وجود ذاتي غير عضوي يحتوي كل ما تقدم مهيمنا عليه مرتبط بالجسم ارتباط لزوم وهي المسؤول عن عمل هذا الكيان غير انها لا تقتصر على الانسان فقط كالروح والعقل انما تتصل بكل كائن حي ﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ ۗ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾
النفس ترافق الانسان في حياته وصحوه بمعنى انها تغادر الانسان حين نومه مغادرة مؤقته ويصبح حينئذ غير مسؤول عن تصرفاته حتى ان قتل او زنى في منامه (حلمه) فإن استيقظ عادت، كذلك تغادره مغادرة نهائية عند الموت وحتى البعث ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا ۖ فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَىٰ عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىٰ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
واذا كانت هذه النفس هي المسؤولة فما كان للعدل الالهي ان يتركها هائمة على وجهها تتخبط بلا دليل يوجهها بل الهمها فطريا معرفة طريق الخير وطريق الشر
﴿ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾
﴿ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
ليس فقط بل جعل من العقل قيدا عليها نهيا لا منعا حتى تبقى لها حرية الاختيار وهي مناط المسؤولية والمحاسبة
﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ﴾
هكذا النفس من الانسان هي المتحكم وهي من تعصى وتطيع وهي من تترك الانسان وتغادره عند الموت وليس الروح كما هو شائع {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةَ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً}
وكما تبين لنا انه حين الموت تغادر النفس فإنه كان لزاما ان تعود للجسم عند البعث وقد اعاده لله واحياه لتحاسب وتجزى بما فعلت ﴿ وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾
ثم الوقوف بين يدي الله للمحاسبة {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّـهُ نَفْسَهُ وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ}
ثم تجزى بما عملت ﴿ الْيَوْمَ تُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ ۚ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
ثم الجزاء اما جهنم العياذ بالله {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى } او الجنة رزقنا بها الله واياكم {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}
صدق الله العظيم
تلك قصة النفس مع الانسان وعلاقتها بالجسم والروح والعقل والقلب في بنيان معجز من كتاب الله، نسأل الله أن نكون قد احسنا التدبر والله اعلى واعلم

التعليقات على الموضوع