الكتابة الشعرية بين النظرية والتطبيق


الكتابة الشعرية بين النظرية والتطبيق




بقلم: د منال الشربيني  🇪🇬


للشعر قوم ينزفون من فرط الحياة، وعلى لوحة من صفصاف يرسمون نفس الحلم، الشعر نافذة الروح على العالم، وللروح ألف نافذة على الطريق، واللَّا طريق.

من هنا، ألج إلى عالم الروح الشاعر، والشعر كواحد من أقدم أشكال التعبير الفني، تطوُّرًا عبر العصور؛ من الأناشيد الدينية إلى التعبير الذاتي والعاطفي. والشعر فن لا تقتصر كتابته على الموهبة الفطرية فحسب، بل لابد من اكتساب مهارات منها ما يتصل بالنظرية الأدبية، والإيقاع، والصور البلاغية، والأسلوب، ولكن، تبقى ماهية الشعر قابلة للتحديث والتطوير دون المساس بجماليات الصور واللغة الشاعرية والدهشة


حيث تسهم عناصر أساسية مثل:- الإيقاع (Rhythm): يتجسد في الوزن والقافية، و الصور الشعرية (Imagery): تعبيرات حسية ومجازية توظف للتعبير عن التجربة، و اللغة (Language): تعتمد على التكثيف والرمز والبلاغة، و المعنى (Meaning): قد يكون مباشرًا أو ضمنيًا، ويُفتح للتأويل- في تشكيل بنيته الفنية.

وهنالك من النظريات ما يفسر للأمر بشكل جيد، فمثلًا،

ترى النظرية الإيحائية (Expressive Theory) أن الشعر هو تعبير مباشر عن عاطفة الشاعر وتجربته الذاتية. يمثلها شعراء الرومانسية كـ وليم وردزورث، الذي اعتبر الشعر "فيضًا عفويًا لمشاعر قوية" (Wordsworth, 1802)، بينما تركز النظرية الشكلية (Formalism)على بنية القصيدة نفسها: الشكل، اللغة، الأسلوب. تجاهلت السياق الخارجي، وازدهرت في المدرسة الروسية الشكلية. (Shklovsky, 1917)، وتهتم  نظرية التلقي (Reception Theory) بكيفية تأويل القارئ للنص. فالشعر، في هذه النظرية، لا يُستكمل إلا بتفاعل المتلقي معه. (Jauss, 1982)، بينما ترى نظرية المحاكاة (Mimesis)

كما عند أرسطو، أن الشعر محاكاة للطبيعة أو للحياة الإنسانية من خلال الفن، لكنه يختلف عن التاريخ في كونه يعرض الإمكانات وليس الوقائع فقط. (Aristotle, trans. 1961)

 وإذا ما تطرقنا إلى نماذج شعرية لتكون دليل المتلقي للوقوف على جماليات هذا العالم الشاعر، نوثق أن 

 قصيدة "الرباعيات", عمر الخيام, (ترجمة أحمد رامي) تعتمد على التأمل الفلسفي والرمزية، وتُعد نموذجًا الصوفية الفارسية الممزوجة بالحكمة ، و تمثل قصيدة "الأنشودة إلى العظمة" لأدونيس المدرسة الحداثية في الشعر العربي، حيث تتكثف الرموز والأساطير، وتتحرر من الوزن والقافية التقليدية، وتبقى قصيدة "The Waste Land" لـ توماس إليوت أنموذجًا عالميًا بارزًا في الشعر الحديث، يجمع بين التناص، التعدد الصوتي، واللغة الرمزية المعقدة، ولن أكون نرجسية إن وثقت بحثي ببضع أبيات من قصيدتي "لـ إيثاكا"، حيث تقدم الأبيات كل معنى للفقد، والحنين إلى الوطن، والأرض اليباب، والأطلال، واستعراض خيبات العرب، تقول منال الشربيني:



لـ"إيثاكا"

كل ما فقد الشآم

من بَكَاراتِ العَذارىَ

ومن عَناقيد الْعُنَبْ

لها نفسُ رائحةِ المشانِقِ

ونفسُ توابيت الخِرَب

فمن في الواقفين ببابَك

يُنْكِرُ أنَّكِ

جنةً للخُلدِ

وواحةً من عجبْ

و "لـ حنظلة"

ألفُ نشيدٍ من غضبْ

ولي ساحةُ الموتى

وما أسْفرَ الطوفانُ عنْهُ

ولي آيةٌ من شَغَبْ

فمن في العابرينَ 

يُعْلِنُ أنَّك

تمشي وحيدًا

بين خَراباتِ العرب؟

"وللقدس"

كلُّ ما صعدَ السماءَ 

من بُكاءاتِ الثَّكالى

كلَّما سقطت جِباهْ

أو تَوارتْ 

في مقابرِها السُّحُبْ

فمن في الشاهدين 

يُغمِضُ جفنَهُ

والصبايا يَسْتجِرْنَ 

بكلِّ أسفارِ الحُقَبْ

و" لـ لوركا"

كلُّ ما رصدَ الكلامُ

فوق أرصفةِ الكُتب

له الشعرُ مولًى

وموالٌ 

وروحٌ

بين دهاليزِ الرَّصاصِ

.لم يفارقُها التَّعبْ

ولي صفحةٌ بالريح غضْبى

كلَّما مالت النخلاتُ

قامت تنْتَزِعْ

قلبَ الشُّهُبْ

ترفضُ النفْيَ

ولونَ الدَّمّْ

ووطأةً للخيلِ 

فوق بركانِ الغضبْ

يا صَاحِبَيِّ الشِّعرَ

إنِّي رأيتُ الأرضَ حُبلى

من حثالاتِ البِّغالِ

فَمَن في العَابِدينَ

نادى

امَنَعوا بيعَ الإماءِ

أو انقذوا عِرْضَ القِرَبْ

ورأيتُ البحرَ يَلْقَفُ

كلَّ مُغاضِبٍ

ويُريقُ فوق الشَّطِّ

كلَّ أفَّاقٍ كَذِبْ

فَمَن في الواقفينَ

ببابِ العدلِ

شمَّر كفَّهُ

وتَوضَّأت يُمْناهُ

بِنَاصِيَةِ الغضبْ

ورأيتُ لصَّ القومِ 

يَكْشِفُ سوأتَيْن

ويبيعُ ثوْبَ العيبِ

في سُوق الذَّهبْ

فمن في الشاهدين

مزَّق بُوقَهُ

أو تمطَّى 

كي يَقِيَ الأوْطانَ

سَقَطَاتِ الأدبْ

لكنني لم ألمحْ في الدِّيارِ 

غيرَ ما تَرَكَ الغُرابُ

أو صَحنَ بيتٍ مُغْتَصَبْ

لم يَزَلْ من " سَامَ" نسْلٌ

في أرضِ "شآمْ"

وفي يَمِّ "مُوسَى"

وفي عَرْضَ "النَّقَبْ"

فاذكُراني

عندَ راعيَ الْقوم يومًا

حين تَشْتَدُّ السُّنونُ

أو حين يَنْعصِرُ العُنَبْ

و" كـَ حِنْظَلة"

أَمَْشِي وَحيدةً

و" كـ لُورْكا"

يشْنُقُني الْغَضَبْ

وشَريدةً بالحفْلِ أبدوَ

طفلةً قد أوْقَدَتْ

للحُلمِ بيتًا مُضْطَرِبْ

---


وعليه، تبقى تقنيات الكتابة الشعرية، التي لابد للشاعر أن يتقنها كي يخرج نصه متماسك الصور والمعنى واللغة الشاعرية، والجمال، سواء كان ذلك في شعر العامية أم الفصحى، حرًا، أم مقفًي، نثرًا، أم غيره من صور شعر، حديثُه وعتيقُه. ويبقى التكثيف اللغوي، الذي يعني بحذف الزوائد والتركيز على الصورة الشعرية، أمرًا لابد للشاعر من الاهتمام به، إذ إن التطويل غير المبرر، والتكرار يضعف من روح القصيدة، ولابد للشاعر أيضًا من تعزيز الإيقاع الداخلي للنص الذي هو قلب موسيقى النص.


ويبقى كل من الرمز والأسطورة طاقتان للغوص في قلب الموروث، تاريخًا، وجغرافيا، هوية، وعقيدة، أو وجودًا، من أجل توسيع أفق المعنى عبر الإيحاء الثقافي، وبلغة أكاديمية للغاية، يأتي الانزياح اللغوي، والذي يعني توليد الدهشة لدى المتلقي، فيخرج الشعر نصًا، بهيًا، غير ذي تكرار، وإسهاب وإطناب، وتقعُّر بدون هدف، فالشعر ليس خاطرة، أو عواطف مبعثرة، أو كلمات بلا هوية. الشعر حالة، وقديمًا، كان العرب يبتهجون لـ ميلاد شاعر في القبيلة؛ فـ الشاعر لسان ال أمته، به تنهدم ممالك، وبه ترتفع أمم. والشعر ليس فقط انفعالًا عاطفيًا، بل هو أيضًا بناء فني معقد تشكله نظريات مختلفة وأساليب متعددة. الشعر اجتماع نقيضين، وتناص، وتماهٍ في الآخر، وتماس مع موروث وعقائد وعلم ولغات وشخوص، أي أنه عالم يآخي بين الماء والنار.


تلك هي رؤيتي، ولربما وجد أدباء آخرين تأويلات أُخَرْ


---

المصادر:

Aristotle. (1961). Poetics (S. H. Butcher, Trans.). Hill and Wang. (Original work published ca. 335 BCE)


Jauss, H. R. (1982). Toward an Aesthetic of Reception (T. Bahti, Trans.). University of Minnesota Press.


Shklovsky, V. (1917). Art as Technique. In L. T. Lemon & M. J. Reis (Eds.), Russian Formalist Criticism: Four Essays. University of Nebraska Press.


Wordsworth, W. (1802). Preface to Lyrical Ballads.

ليست هناك تعليقات